أبو الليث السمرقندي

10

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ومثلك يا عمر من الملائكة مثل جبريل فإنّه ينزل بالعذاب والشدّة ، ومثلك من الأنبياء مثل نوح ، حيث قال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] ومثل موسى ، حيث قال : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 88 ] . وروى سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن عبد اللّه بن عباس « 1 » قال : قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين فرغ من بدر : عليك بالعير ليس دونها شيء . فناداه العباس وهو أسير في وثاقه : إنه لا يصلح . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لم » ؟ قال : لأن اللّه تعالى وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أعطاك ما وعدك . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 9 إلى 11 ] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) قوله تعالى : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما رأى كثرة المشركين ، علم أنه لا قوة لهم إلا باللّه ، فدعا ربه فقال : « اللّهمّ إنّك لا تخلف الميعاد » . فَاسْتَجابَ له ربه ونزل إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ يقول : واذكروا إذ تسألون ربكم وتدعونه يوم بدر بالنصرة على عدوكم . فَاسْتَجابَ لَكُمْ ، يعني : فأجابكم ربكم : أَنِّي مُمِدُّكُمْ ، يعني : أزيدكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ، يعني : متتابعين بعضهم على أثر بعض . قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر مُرْدِفِينَ بالنصب ، وقرأ الباقون بالكسر ، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد ، وهو التتابع . وقال عكرمة : أمدهم يوم بدر بألف من الملائكة ، ووعد لهم ثلاثة آلاف من الملائكة لغزوة بعدها بدعائه ، وزاده ألفين ، فذلك خمسة آلاف من الملائكة ، ويقال : هذا كله كان في يوم بدر . ثم قال عز وجل : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى يقول : وما أنزل اللّه الملائكة إلا للبشارة . وقال بعضهم : الملائكة لم يقاتلوا ، وإنّما كانوا مبشرين . وروي عن ابن عباس أنه قال : « قاتلت الملائكة يوم بدر ، ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ولا يوم حنين » وَما جَعَلَهُ اللَّهُ ، يعني : مدد الملائكة إِلَّا بُشْرى و لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ يعني : لتسكن إليه قلوبكم . وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، يعني : ليس النصر بقلة العدد ولا بكثرة العدد ، ولكن النصر من عند اللّه . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ عَزِيزٌ بالنقمة ، حَكِيمٌ حكم بالنصرة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين ، والهزيمة للمشركين . قوله تعالى : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ، يقول : ألقى عليكم النوم أَمَنَةً مِنْهُ ، يعني : أمنا من عند اللّه . وروى عاصم ، عن ابن رزين ، عن عبد اللّه بن مسعود قال : « النعاس عند القتال

--> ( 1 ) في النسخة « ب » عن عبد اللّه بن مسعود .